الطائر المهاجر
01-02-2008, 09:52 PM
.
لأنه مغرم بها حد الجنون ...
ولأنه فقير معدم حد الجنون أيضاً ، فقد كان مجرد التفكير بالتسلل إليها من بين حراس القصر جنون ليس بعده جنون .
وكأي شاب يافع عاش وترعرع بين المزارع والحقول ، ليس له الحق حتى بالسير على آثار نفس الخطوات التي سارت عليها يوماً من الأيام مع صويحباتها بنات النبلاء ذات صباح مشرق حول طرقات حدائق القصر..
بل إن وجوده في منطقة مترفة كهذه بثيابه الرثّة تفتح شهية أي حارس لا يزال يتدرب على الرماية أن يجعل منه قارورة فارغة فوق جذع شجرة مبتورة الساق يختبر به دقة التصويب....
ثم يرمي به إلى الكلاب بعد ذلك .
لا يزال يذكر عدد الدقائق اليسيرة التي جمعتهما معاً صدفة وسط سوق القرية في غفلة من رقيب ..
كما لا يزال يذكر أنه لمح في عينيها عذوبة ليست في عيني إنسيّة كان قد رآها من قبل .
ثلاثة وعشرون يوماً مضت منذ أن رآها أول مرة ..
ثلاثة وعشرون يوماً وست ساعات بالضبط منذ أن صافحته بيدها الناعمة لتشكره حين ناولها حقيبة نقودها التي سقطت على الأرض ..
كانت تلك أعذب اللحظات حين التقت عيناهما أمام محل بيع بطاقات التهاني .
حتى أنه من فرط ارتباكه نسي أن يسألها عن اسمها ..
نسي أن يسألها عن قصة البطاقات التي تشتريها ..
نسي ولو بدافع الفضول الغجري في نفسه أن يسألها عن سبب ابتهاجها وفرحها !
وبعينين تبرقان من طول ترقّب ، تخترقان الفراغات من بين سيقان الشجيرات التي اختبأ وراءهن ، راح يرمقها من بعيد جداً وهي تقترب من شاطئ البحر الذي يشكل حاجزاً طبيعياً يحرس القصر من شماله .
آآه من ذلك البحر المخيف الذي تسبح فيه أسماك قرش لا ترحم أرهبت شبان القرية ولصوصها حتى باتت تظهر لهم في مناماتهم كالكوابيس .
لم يلفت انتباهه المسكين كم تبدو جميلة بفستانها الأبيض المنفوش ..
بل ولم يلفت انتباهه الفستان !
ولم يدر لم لونه أبيض!؟
ثم تذكر أن أمه كانت تقص عليه قبل النوم حين كان طفلاً أن بنات النبلاء يلبسن الفستان الأبيض قبل ليلة العرس بأيام إستعداداً لأجمل لياليهن ، وتدريباً لهن كيف يمشين بفستان طويل يسحبنه وراءهن متراً على الأرض ، يتدربن على ذلك حتى يتصرفن بلباقة وذوق ليلة العرس دون ارتباك.
قفزت إلى عقله صورة حالمة رأى نفسه فيها وكأنه يرقص ممسكاً بيديها ويدوران معاً في جنّة من زهور تتبعثر في الهواء ..
لم يكن يظن نفسه جذاباً إلى هذا الحد بلباس الأمراء وعروسه بين يديه ...
ثم نسي الحراس من جديد ونسي كلاب الحراسة الشرسة وخرج من بين الشجيرات بكل تهور ..
تسلل بخفة حتى وصل إليها وهي وحيدة أمام قارب صغير مربوط على الشاطئ في غفلة من الحراس.
رآها ورأته .. وجهاً لوجه .
حاول كثيراً أن يبتلع ريقه حتى يحييها على الأقل فلم يتمكن من فرط خوفه ..
تبسمت حين رأته وعرفت كم عانى المسكين حتى وصل إلى هنا ..
كانت جريئة أكثر منه .. ومتزنة هذه المرة ، وليس معها أحد ..
كانت قد قررت أن تركب القارب كعادتها كل مساء قبل أن يشتد الظلام وتبتعد قليلاً في الماء تجدف بيديها تماماً كما كانت تفعل وهي صغيرة قبل أن تصبح عروساً فاتنة مكتنزة الجمال .
ودون أن تتفوه بكلمة واحدة فهم رغبتها وجهز لها القارب وفك رباطه ، ودفعه برفق وسط الماء بعد أن ركبت فيه ، وكم كانت دهشته حين رآها تمد يدها إليه أن اركب معي !!
مضت أربع دقائق فقط كانت كافية أن تبتعد بهما بعيداً عن الساحل ..
وحدهما في البحر بلا حراس..
أغمضت عينيها وبدأت تستنشق البحر بعمق وتملأ رئتيها من نسيمه العليل ، رغم سواده الذي ينبئ بأن عمقه سحيق ..
لا تدري كيف وثقت به واطمأنت إليه بسرعة ، لكنها تثق به على أية حال ..
ولم تكف لحظة عن تفحص ملابسه الرثّة البالية وقميصه الذي لا يكاد يستر صدره العريض ونهديه المتورمين من شدة الفتوّة والعمل الشاق
فرط قلقه وارتباكه يدعوها للتبسم بل للضحك أحياناً لكنها تحترم شجاعته فتتمالك نفسها .
كانت تدرك يقيناً أنه مفتون بها حد الجنون ، كما تدرك أن غجريته في التصرف غريبة في عالم الإتيكيت الذي تربت فيه ، فلم تتوقف لحظة عن الضحك حين تراه يتمايل بارتباك وسط القارب .
سكتت تماماً في احترام ظاهر ، فسألها عن إسمها .
أرادت أن تمازحه على طريقة بنات الأثرياء بطريقتهن الدبلوماسية حين لا يردن التكلم بوضوح فقالت له : " دلفين "
ارتسمت علامة استفهام واضحة على وجهه ، لكن لعفوية الفقراء وطهارتهم في نفسه صدقها .
سكت يبحث عن سؤال آخر يبدد ارتباكه فقاطعته قائلة : هل تعرف الغوص!!؟
-" نعم " !!!
-" هل تعلم أن في أعماق هذا البحر لآلئ في غاية الجمال تتمناها كل أنثى في القرية ؟
-" ولماذا لم يحصلن على تلك اللآلئ " ؟
-" أنسيت أسماك القرش " ؟
إقشعر جلده من الخوف لكنه أخفى ذلك عنها فلم تحس بشيء ، ثم قال : لكن أسماك القرش لا تقترب من الشاطئ في وقت الغروب ؟
ظهر على وجهها علامة استفهام مصطنعة ماكرة ، ثم قالت ،
-إذن ربما عجزوا عن الوصول إلى قاع البحر لعمقه الشديد ... أليس كذلك ؟
لم يجد جواباً مناسباً لكنه فهم المعنى فاستجمع جرأته لأول مرة وفاجأها بقوله :
-هل تقبل أميرتي أن أعلق على صدرها لؤلوة آتي بها من أعماق البحر عربون هيامي وحبي لها ؟
اتسعت حدقتا عينيها في ذهول وأقفلت فمها بيدها من فرط المفاجأة خوفاً من أن تنطلق منها صرخة غير متوقعة .. لقد فجر كلامه في نفسها كل هدوء بقي لديها !! وزاد من دهشتها أن هذا الشاب الفقير يعي تماماً ما يقول ..
فقد وقف في وسط القارب بكل طوله وخلع حذاءه الجلدي الغليظ ثم خلع قميصه الأزرق الممزق و ألقى به على أرضية القارب واقترب من الفتاة في صمت وانحنى إليها في احترام وتبجيل وامسك بطرف أصابعها وطبع عليها قبلة خائفة ..ثم رفع يديه في الهواء وقربهما من بعضهما ورجلاه على حافة القارب ثم سحب نفساً عميقاً وقفز في البحر بعيداً عن القارب وغاب هناك ....
كان الماء بارداً جمّد أطرافه وعظامه ، لكن حرارة التضحية للأميرة فجر بركان مشاعره من الداخل حتى لم يعد يشعر ببرد ..
لم ينقطع به النفس وقد تجاوز نصف المسافة باتجاه القاع البعيد ، حتى ظن لوهلة أن البحر لا قاع له ..
لم تتسرب من جوفه ذرة أكسجين واحدة ..لكن حرارته رغم كل شيء راحت تتناقص تدريجياً حتى كاد يهلك ..
ورغم يقينه أنها هناك فوق الماء ، إلا أنه يخيّل إليه أنها تراه الآن وتسبح معه في سباق مع الموت.
كان التصاق طيفها به يمنحه دفئاً آخراً يبعث في خلايا جسمه القدرة على الغوص إلى عمق أكثر ..
كانت ساحرة بالفعل ، تسللت من بين مسامات جلده كما تتسلل خيوط الشمس إلى عمق الماء.
إشتد الظلام ..
زادت برودة الماء ..
زاد ضغط الماء على عينيه وأذنيه ورأسه ..
والأخطر من هذا كله شعوره بأن صدره أصبح ثقيلاً للغاية من احتباس النفس..
أقسم في نفسه ألا يرجع إليها إلا وبيده لؤلؤة مهما كلفه الثمن ..
( وكان إذا أقسم أقسم )
تناقصت درجة حرارة جسمه بتدريج سريع ..
تباطأت نبضاته لنقص الأكسجين في شرايين القلب ..
بدأ وجهه ينتفخ ويزرقّ لونه ..
إبتعدت عنه جميع الأسماك في ذهول من وجود مخلوق غيرها في هذا العمق السحيق ..
أيقنت جميع الأسماك أنه انتحار لا يفعله غير بني البشر حين يستوطنهم الحب الأعمى.
أغمض عينيه ولم يعد يشعر بشيء ، حتى ارتطم بقاع البحر بقوة فثارت من حوله سحابة من الرمل الأبيض المتطاير وتبعثرت محارات وأصداف كثيرة في كل اتجاه ..
ظل ملتصقاً بالقاع لحظات وهو يفتش بأصابعه تراب القاع وعيناه جاحظتان ، قبل أن تنفلت من جوفه أول ذرة أكسجين ...
ثم انفلتت الثانية دون إذن منه ..
وتبعتها الثالثة وهو يسابق الزمن ... ثم الرابعة
ولم تنفلت الخامسة والأخيرة إلا وابتسامة غامضة ملأت وجهه الأزرق ...
سمعت الأميرة صوتاً من مكان مجهول حين خرجت الذرات الخمس معاً في الهواء وكأن أحداً يقول
د ل ف ي ن
إلا أنها ظنت أنه دفع به الموج بعيداً عنها وأنه لم يكن جاداً في الوصول إلى العمق وتنفيذ رغبتها ولم يغص في أعماق البحر وتيقنت بأنه هرب منها ولن يعود ، ورغم شعورها بالألم إلا أنها عزمت على نسيانه قبل زواجها..
ثم تذكرت أن زواجها بعد يومين وأن عريسها الأمير سيهديها لؤلؤة في يوم عرسها عرفاناً بحبه الأكيد لها ..
سخرت من عقلها الساذج كيف فكرت في يوم من الأيام أن الفقراء يمكن لهم أن يقدروا على مالا يقدر عليه النبلاء ؟ فعادت إلى القصر مقبوضة النفس حزينة .
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
بعد يومين ، وفي صبيحة يوم الزفاف ، وقبل مراسم العرس بساعات ، كانت الأميرة الفاتنة على قاربها المعتاد بفستان زفافها الأبيض ، وهذه المرة مع عريسها الأمير المبجل الذي دعاها لنزهة على القارب ، ورغم أن الغرور فيه طبع لا يمكنه إخفاءه ، واعتماده فقط على ثروة أبيه وجنود أبيه ورجالاته حتى في أدق تفاصيل حياته الشخصية ..
إلا أن هذا يمكنها التعايش معه ..
لكن الذي يزعجها قبل العرس بساعات هو بقاء علاقاته مع كل أميرة ووضيعة ..
ولا تزال فضيحته مع ابنة سايس الخيول في إسطبل قصر والده تنتشر بين الناس رغم محاولة أبيه إسكاتهم وقمع الشائعة وشراء الأصوات .
لم تمض دقائق وهما معاً على القارب حتى باتت رائحة الخمر المنبعثة من فمه تزعجها بشكل لا يطاق ، لكن هذه السكرة كانت تسمح لها بأن يسرب لها وهو ثمل كل مغامراته القديمة ومغامراته الأقدم ..
وقف وسط القارب وبيده قارورة الخمر فكسرها على حافته ونزل باتجاه الشاطئ يمشي على رجليه يترنح و ينادي على " سارة " !!!!
غطت الأميرة وجهها بيديها وهي تبكي في نحيب...
مضت دقائق وهي وحدها حزينة..
وفجأة ...
شعرت بوجود شيء يسبح في الماء يقترب من القارب ببطء .. ظنته في بادئ الأمر سمكة قرش طافئة ..
إقترب هذا الشيء أكثر ..
إقترب حتى ارتطم بالقارب ..
تفحصته في ذهول وهي ترى أمامها جسم شاب عاري الصدر منتفخ البطن مفتوح العينين شاخص البصر وقد مات غرقاً ويمد في الهواء يده اليمنى ويقبض بداخلها على شيء !!!!
عرفته على الفور .. إنه الشاب القروي المتيم بها الذي هرب منها تلك الأمسية.
أمسكت اليد وحاولت بقوة فتحها لكنها كانت متصلبة وباردة ...
كانت اليد مغلقة بإحكام شديد ..
قامت تلملم أطراف فستانها وتحشره بين رجليها ثم أدخلت نصف الذراع داخل القارب وداست عليه بحذائها بقوة حتى انفرجت اليد ....
وسقطت منها لؤلؤة بيضاء تتلآلأ .
لأنه مغرم بها حد الجنون ...
ولأنه فقير معدم حد الجنون أيضاً ، فقد كان مجرد التفكير بالتسلل إليها من بين حراس القصر جنون ليس بعده جنون .
وكأي شاب يافع عاش وترعرع بين المزارع والحقول ، ليس له الحق حتى بالسير على آثار نفس الخطوات التي سارت عليها يوماً من الأيام مع صويحباتها بنات النبلاء ذات صباح مشرق حول طرقات حدائق القصر..
بل إن وجوده في منطقة مترفة كهذه بثيابه الرثّة تفتح شهية أي حارس لا يزال يتدرب على الرماية أن يجعل منه قارورة فارغة فوق جذع شجرة مبتورة الساق يختبر به دقة التصويب....
ثم يرمي به إلى الكلاب بعد ذلك .
لا يزال يذكر عدد الدقائق اليسيرة التي جمعتهما معاً صدفة وسط سوق القرية في غفلة من رقيب ..
كما لا يزال يذكر أنه لمح في عينيها عذوبة ليست في عيني إنسيّة كان قد رآها من قبل .
ثلاثة وعشرون يوماً مضت منذ أن رآها أول مرة ..
ثلاثة وعشرون يوماً وست ساعات بالضبط منذ أن صافحته بيدها الناعمة لتشكره حين ناولها حقيبة نقودها التي سقطت على الأرض ..
كانت تلك أعذب اللحظات حين التقت عيناهما أمام محل بيع بطاقات التهاني .
حتى أنه من فرط ارتباكه نسي أن يسألها عن اسمها ..
نسي أن يسألها عن قصة البطاقات التي تشتريها ..
نسي ولو بدافع الفضول الغجري في نفسه أن يسألها عن سبب ابتهاجها وفرحها !
وبعينين تبرقان من طول ترقّب ، تخترقان الفراغات من بين سيقان الشجيرات التي اختبأ وراءهن ، راح يرمقها من بعيد جداً وهي تقترب من شاطئ البحر الذي يشكل حاجزاً طبيعياً يحرس القصر من شماله .
آآه من ذلك البحر المخيف الذي تسبح فيه أسماك قرش لا ترحم أرهبت شبان القرية ولصوصها حتى باتت تظهر لهم في مناماتهم كالكوابيس .
لم يلفت انتباهه المسكين كم تبدو جميلة بفستانها الأبيض المنفوش ..
بل ولم يلفت انتباهه الفستان !
ولم يدر لم لونه أبيض!؟
ثم تذكر أن أمه كانت تقص عليه قبل النوم حين كان طفلاً أن بنات النبلاء يلبسن الفستان الأبيض قبل ليلة العرس بأيام إستعداداً لأجمل لياليهن ، وتدريباً لهن كيف يمشين بفستان طويل يسحبنه وراءهن متراً على الأرض ، يتدربن على ذلك حتى يتصرفن بلباقة وذوق ليلة العرس دون ارتباك.
قفزت إلى عقله صورة حالمة رأى نفسه فيها وكأنه يرقص ممسكاً بيديها ويدوران معاً في جنّة من زهور تتبعثر في الهواء ..
لم يكن يظن نفسه جذاباً إلى هذا الحد بلباس الأمراء وعروسه بين يديه ...
ثم نسي الحراس من جديد ونسي كلاب الحراسة الشرسة وخرج من بين الشجيرات بكل تهور ..
تسلل بخفة حتى وصل إليها وهي وحيدة أمام قارب صغير مربوط على الشاطئ في غفلة من الحراس.
رآها ورأته .. وجهاً لوجه .
حاول كثيراً أن يبتلع ريقه حتى يحييها على الأقل فلم يتمكن من فرط خوفه ..
تبسمت حين رأته وعرفت كم عانى المسكين حتى وصل إلى هنا ..
كانت جريئة أكثر منه .. ومتزنة هذه المرة ، وليس معها أحد ..
كانت قد قررت أن تركب القارب كعادتها كل مساء قبل أن يشتد الظلام وتبتعد قليلاً في الماء تجدف بيديها تماماً كما كانت تفعل وهي صغيرة قبل أن تصبح عروساً فاتنة مكتنزة الجمال .
ودون أن تتفوه بكلمة واحدة فهم رغبتها وجهز لها القارب وفك رباطه ، ودفعه برفق وسط الماء بعد أن ركبت فيه ، وكم كانت دهشته حين رآها تمد يدها إليه أن اركب معي !!
مضت أربع دقائق فقط كانت كافية أن تبتعد بهما بعيداً عن الساحل ..
وحدهما في البحر بلا حراس..
أغمضت عينيها وبدأت تستنشق البحر بعمق وتملأ رئتيها من نسيمه العليل ، رغم سواده الذي ينبئ بأن عمقه سحيق ..
لا تدري كيف وثقت به واطمأنت إليه بسرعة ، لكنها تثق به على أية حال ..
ولم تكف لحظة عن تفحص ملابسه الرثّة البالية وقميصه الذي لا يكاد يستر صدره العريض ونهديه المتورمين من شدة الفتوّة والعمل الشاق
فرط قلقه وارتباكه يدعوها للتبسم بل للضحك أحياناً لكنها تحترم شجاعته فتتمالك نفسها .
كانت تدرك يقيناً أنه مفتون بها حد الجنون ، كما تدرك أن غجريته في التصرف غريبة في عالم الإتيكيت الذي تربت فيه ، فلم تتوقف لحظة عن الضحك حين تراه يتمايل بارتباك وسط القارب .
سكتت تماماً في احترام ظاهر ، فسألها عن إسمها .
أرادت أن تمازحه على طريقة بنات الأثرياء بطريقتهن الدبلوماسية حين لا يردن التكلم بوضوح فقالت له : " دلفين "
ارتسمت علامة استفهام واضحة على وجهه ، لكن لعفوية الفقراء وطهارتهم في نفسه صدقها .
سكت يبحث عن سؤال آخر يبدد ارتباكه فقاطعته قائلة : هل تعرف الغوص!!؟
-" نعم " !!!
-" هل تعلم أن في أعماق هذا البحر لآلئ في غاية الجمال تتمناها كل أنثى في القرية ؟
-" ولماذا لم يحصلن على تلك اللآلئ " ؟
-" أنسيت أسماك القرش " ؟
إقشعر جلده من الخوف لكنه أخفى ذلك عنها فلم تحس بشيء ، ثم قال : لكن أسماك القرش لا تقترب من الشاطئ في وقت الغروب ؟
ظهر على وجهها علامة استفهام مصطنعة ماكرة ، ثم قالت ،
-إذن ربما عجزوا عن الوصول إلى قاع البحر لعمقه الشديد ... أليس كذلك ؟
لم يجد جواباً مناسباً لكنه فهم المعنى فاستجمع جرأته لأول مرة وفاجأها بقوله :
-هل تقبل أميرتي أن أعلق على صدرها لؤلوة آتي بها من أعماق البحر عربون هيامي وحبي لها ؟
اتسعت حدقتا عينيها في ذهول وأقفلت فمها بيدها من فرط المفاجأة خوفاً من أن تنطلق منها صرخة غير متوقعة .. لقد فجر كلامه في نفسها كل هدوء بقي لديها !! وزاد من دهشتها أن هذا الشاب الفقير يعي تماماً ما يقول ..
فقد وقف في وسط القارب بكل طوله وخلع حذاءه الجلدي الغليظ ثم خلع قميصه الأزرق الممزق و ألقى به على أرضية القارب واقترب من الفتاة في صمت وانحنى إليها في احترام وتبجيل وامسك بطرف أصابعها وطبع عليها قبلة خائفة ..ثم رفع يديه في الهواء وقربهما من بعضهما ورجلاه على حافة القارب ثم سحب نفساً عميقاً وقفز في البحر بعيداً عن القارب وغاب هناك ....
كان الماء بارداً جمّد أطرافه وعظامه ، لكن حرارة التضحية للأميرة فجر بركان مشاعره من الداخل حتى لم يعد يشعر ببرد ..
لم ينقطع به النفس وقد تجاوز نصف المسافة باتجاه القاع البعيد ، حتى ظن لوهلة أن البحر لا قاع له ..
لم تتسرب من جوفه ذرة أكسجين واحدة ..لكن حرارته رغم كل شيء راحت تتناقص تدريجياً حتى كاد يهلك ..
ورغم يقينه أنها هناك فوق الماء ، إلا أنه يخيّل إليه أنها تراه الآن وتسبح معه في سباق مع الموت.
كان التصاق طيفها به يمنحه دفئاً آخراً يبعث في خلايا جسمه القدرة على الغوص إلى عمق أكثر ..
كانت ساحرة بالفعل ، تسللت من بين مسامات جلده كما تتسلل خيوط الشمس إلى عمق الماء.
إشتد الظلام ..
زادت برودة الماء ..
زاد ضغط الماء على عينيه وأذنيه ورأسه ..
والأخطر من هذا كله شعوره بأن صدره أصبح ثقيلاً للغاية من احتباس النفس..
أقسم في نفسه ألا يرجع إليها إلا وبيده لؤلؤة مهما كلفه الثمن ..
( وكان إذا أقسم أقسم )
تناقصت درجة حرارة جسمه بتدريج سريع ..
تباطأت نبضاته لنقص الأكسجين في شرايين القلب ..
بدأ وجهه ينتفخ ويزرقّ لونه ..
إبتعدت عنه جميع الأسماك في ذهول من وجود مخلوق غيرها في هذا العمق السحيق ..
أيقنت جميع الأسماك أنه انتحار لا يفعله غير بني البشر حين يستوطنهم الحب الأعمى.
أغمض عينيه ولم يعد يشعر بشيء ، حتى ارتطم بقاع البحر بقوة فثارت من حوله سحابة من الرمل الأبيض المتطاير وتبعثرت محارات وأصداف كثيرة في كل اتجاه ..
ظل ملتصقاً بالقاع لحظات وهو يفتش بأصابعه تراب القاع وعيناه جاحظتان ، قبل أن تنفلت من جوفه أول ذرة أكسجين ...
ثم انفلتت الثانية دون إذن منه ..
وتبعتها الثالثة وهو يسابق الزمن ... ثم الرابعة
ولم تنفلت الخامسة والأخيرة إلا وابتسامة غامضة ملأت وجهه الأزرق ...
سمعت الأميرة صوتاً من مكان مجهول حين خرجت الذرات الخمس معاً في الهواء وكأن أحداً يقول
د ل ف ي ن
إلا أنها ظنت أنه دفع به الموج بعيداً عنها وأنه لم يكن جاداً في الوصول إلى العمق وتنفيذ رغبتها ولم يغص في أعماق البحر وتيقنت بأنه هرب منها ولن يعود ، ورغم شعورها بالألم إلا أنها عزمت على نسيانه قبل زواجها..
ثم تذكرت أن زواجها بعد يومين وأن عريسها الأمير سيهديها لؤلؤة في يوم عرسها عرفاناً بحبه الأكيد لها ..
سخرت من عقلها الساذج كيف فكرت في يوم من الأيام أن الفقراء يمكن لهم أن يقدروا على مالا يقدر عليه النبلاء ؟ فعادت إلى القصر مقبوضة النفس حزينة .
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
بعد يومين ، وفي صبيحة يوم الزفاف ، وقبل مراسم العرس بساعات ، كانت الأميرة الفاتنة على قاربها المعتاد بفستان زفافها الأبيض ، وهذه المرة مع عريسها الأمير المبجل الذي دعاها لنزهة على القارب ، ورغم أن الغرور فيه طبع لا يمكنه إخفاءه ، واعتماده فقط على ثروة أبيه وجنود أبيه ورجالاته حتى في أدق تفاصيل حياته الشخصية ..
إلا أن هذا يمكنها التعايش معه ..
لكن الذي يزعجها قبل العرس بساعات هو بقاء علاقاته مع كل أميرة ووضيعة ..
ولا تزال فضيحته مع ابنة سايس الخيول في إسطبل قصر والده تنتشر بين الناس رغم محاولة أبيه إسكاتهم وقمع الشائعة وشراء الأصوات .
لم تمض دقائق وهما معاً على القارب حتى باتت رائحة الخمر المنبعثة من فمه تزعجها بشكل لا يطاق ، لكن هذه السكرة كانت تسمح لها بأن يسرب لها وهو ثمل كل مغامراته القديمة ومغامراته الأقدم ..
وقف وسط القارب وبيده قارورة الخمر فكسرها على حافته ونزل باتجاه الشاطئ يمشي على رجليه يترنح و ينادي على " سارة " !!!!
غطت الأميرة وجهها بيديها وهي تبكي في نحيب...
مضت دقائق وهي وحدها حزينة..
وفجأة ...
شعرت بوجود شيء يسبح في الماء يقترب من القارب ببطء .. ظنته في بادئ الأمر سمكة قرش طافئة ..
إقترب هذا الشيء أكثر ..
إقترب حتى ارتطم بالقارب ..
تفحصته في ذهول وهي ترى أمامها جسم شاب عاري الصدر منتفخ البطن مفتوح العينين شاخص البصر وقد مات غرقاً ويمد في الهواء يده اليمنى ويقبض بداخلها على شيء !!!!
عرفته على الفور .. إنه الشاب القروي المتيم بها الذي هرب منها تلك الأمسية.
أمسكت اليد وحاولت بقوة فتحها لكنها كانت متصلبة وباردة ...
كانت اليد مغلقة بإحكام شديد ..
قامت تلملم أطراف فستانها وتحشره بين رجليها ثم أدخلت نصف الذراع داخل القارب وداست عليه بحذائها بقوة حتى انفرجت اليد ....
وسقطت منها لؤلؤة بيضاء تتلآلأ .