جالا
03-01-2008, 02:05 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ربما لا يعرف أغلبكم وخصوصا من غير الليبيين قصة الامبراطور الليبي سبتيموس سيفيروس الذي اعتلى عرش روما في يوم من الايام..
والشيء الذي لا يعرفه حتى الليبيين أنفسهم هو قصة الحب الذي جمعته مع الفتاة السورية "جوليا دومنا" والتي قاسمته عرش الامبراطورية الرومانية..
بعد أن تزوجها..
جوليا دومنا
هل يعرف أحدكم هذا الاسم ؟
...
القليل القليل ممن له صلة بالتاريخ يعرف هذا الاسم
فتاة من سوريا أصبحت إمبراطورة روما
ولا تقل أهمية عن زنوبيا أو كليوباترا
وإن كان اسمها لا يتردَّدُ كثيراً إلا لأهل الاختصاص
ممن يبحث في تاريخنا القديم
ذلك التاريخ الثري بالكثير الكثير
وقصة (جوليا دومنا) في رأيي المتواضع يجب أن تُعَرض ولو بشكل مختصر
ليس لمجرد رفاهية العرض بل لضرورة معرفة تاريخنا الذي نسيه البعض وتناساه آخرون .
...
تم لقائي بها في ظروف صعبة كانت تواجهها وتحيط بها من كل جانب
و كانت الأسئلة تتلاحق – في ذلك الوقت – عن مدى صمودها في وجه هذا الطوفان
ورغم الجو الكئيب الذي يغلِّف سماء المكان
فإن ( جوليا دومنا ) كعادتها رابطة الجأش ، قوية الإرادة ، من يراها يحسب أن الدنيا تسير
سيرها المعتاد بدون أي منغِّصات أو أيِّ تأثيرات سلبية ..
هكذا هي دوما .. فهي على يقين بأنها صانعة تاريخ وليست مجرد دمية يتلاعب بها هؤلاء البشر
لذا .. فلم القلق ؟!
لكن ..
رغم هذه الحيلة النفسية التي تحاول إقناع نفسها للهروب من هذا الواقع المر ، فهي بشر
لها نصيبها الكامل من الأحاسيس والشعور والترقب
لها نصيبها الكامل من الخوف والقلق والحزن والغضب
ولها نصيبها الكامل من الفرح والسعادة والحب والسرور ...
الابتسامة المفتعلة التي رسمتها على وجهها حاولت بها إخفاء آلام نفسية لا تطاق ..
فأيُّ صبرٍ وأيُّ تُّجلدٍ هذا الذي تُبديه ، بل أيُّ قوةِ إرادةٍ هذه ؟؟
و احترت فعلا كيف أبدأ اللقاء !! ...
و من أين يبدأ الحديث وكيفيته ..
هل يأخذ طابع اللقاء الصحفي ؟
أو شكل الحوار التلقائي ؟
أم أترك لها مطلق الحرية في سرد روايتها وليس لي إلا الاستماع والإنصات
لم يدم ترددي طويلا و قررت أن ... :
قالت :
- مرحبا بك في إمبراطوريتنا ... تفضل بالجلوس .. أخبرني المجلس العلميُّ بالبِلاط عن هذه الزيارة ،
ونظراً لارتباطي بزيارة رسمية إلى خارج روما لم أجد أمامي إلا هذا الوقت لاستعرض شيئا من قصتي مع
هذه الإمبراطورية لعلمي بأنك ستذكرها في كتبك يوما ..
- أوغستا (جوليا دومنا ) ، أم القياصرة ، أم الجيوش ، أم الوطن ، أم مجلس الشيوخ ...
لا أجد الكلمات المناسبة لأتقدم إليكم بالشكر على هذا الاستقبال الرائع وعلى حسن الضيافة ،
لم يكن بودي الإطالة عليكم كثيرا لعلمي بمدى مشاغلكم ،
لذا استأذنكم في بدء هذه الحكاية من البداية ،
( لاحظت أن يدها مربوطة وكأن جرحا قد أصابها )
[ COLOR="blue "
]ليكن ذلك ، فما أجمل ذكري تلك الأيام التي لا تنسى تحمل عبق الماضي الذي لم أنسه ولن أتناساه
ما زالت ربوع (أميسا) (أسم حمص السورية القديم) رائعة حيث ولدت هناك سنة 170 م ، في عائلة عربية اشتهرت بخدمة إله حمص (الأجابالاس) ، كان أبي (يوليوس باسيانوس) كبيرا للكهنة في معبد تلك المدينة ، لذا نشأت في جو مفعم بالتدين في ظلال والدي الذي اعتني بي كثيرا ،
كما اعتني بأختي ( جوليا ميسيا) ، درستُ تراث الشرق القديم وتراث الإغريق سواءً بسواء ،
وأطلعتُ على ثقافة الرومان ، وبالتالي فالكثير يعتبرني نموذجا للمثقف الهيلنستي الذي جمع في
شخصيته ثقافة الشرق والغرب على السواء ...[/ color ]
أشرق وجهها وتوقفت عن الكلام فجأة وكأنها كانت تستعيد ذكرى ما ، ثم أكملت :
ما زلت أذكر تلك النبوءة التي أصبحت حقيقة ..
وللمرة الثانية تتوقف عن الكلام .. وكأنها تنبهت إلى شيء ما غاب عنها ...
نعم لقد تذكرت (سبتيموس سيفيروس) الذي تزوجها سنة (187م) ،
كانت يومها أصغر منه بعشرين عاما لكنه أقدم على الزواج بها بعد أن سُحِرَ بجمالها الآخاذ ، وشعر بميل عظيم إليها ولا سيما إنه بفراسته فيها توسّم المستقبل الباهر الذي يبلغه باقترانه بها ، تردد في بداية الأمر لصغر سنها، لكنه أقدم على إعلان رغبته وذلك إثر اجتماعه بعرافة سورية .. ماذا قالت له تلك العرافة ؟
لم يطل صمت أوغستا (جوليا دومنا ) وأكملت لي الراوية :
- كان ( سبتيم سيفير ) ... هكذا نطقته مختصرا قائدا للقوات الرومانية في ولاية سوريا ..
- التقى ذات يوم بعرافة .. قالت له عني : إن هذه فتاة ذات نجم عال ، وحظ حسن ، ومستقبل مشرق وسيقترن بها يوما ما رجل يتسنَّم عرش روما ، تلك النبوءة أصبحت دافعا له ليصنع معي مسيرته في هذه الحياة فتقدم إلى طلبي من أبي ورأي أبي في القائد كفؤا لي وأحس بميلي نحوه فلم يمتنع في تلبية طلبه .- معذرة أوغستا أم الوطن ، هل لي بمعرفة تفاصيل أكثر عن (الإمبراطور سبتيموس سيفيروس) ؟
- لو لم تسأل عنه لأخبرتك بنفسي .. هو أسطورة يجب أن تروى ، ولد ( سبتيم سيفير ) في ليبتس
( هي لبدة في طرابلس الغرب – ليبيا) قريبة من قرطاجة ، وكانت مستعمرة فينيقية في أفريقيا ، ..
هل تعلم أنه الامبراطور الروماني الوحيد في التاريخ الذي قدم من تلك القارة ؟ .. لقد كانت اللاتينية بالنسبة له لغة أجنبية لكنه تعلَّمها منذ طفولته فهي لغة الإمبراطورية الرومانية وظل يتكلمها برطانة طيلة حياته ، كانت لغته (البونية) وهي لا تختلف كثيرا عن لغتي (الآرامية) .. كانت نشأته في أسرة فينيقية /كنعانية الأصل ، لكنه درس البلاغة والقانون والآداب والفلسفة في أثينا وفي روما ، ثم اشتغل بالمحاماة في روما ، وأصبح عام (173 م) عضوا في مجلس الشيوخ الروماني بدعم من الإمبراطور (ماركوس أوريليوس) وفي عام (179 م) عين قائدا للقوات الرومانية المرابطة في سوريا ، وكان بالرغم من لهجته السامية من أحسن الرومان تربية وأكثرهم علما في زمانه ، وكان مولعا بأن يجمع حوله الفلاسفة والشعراء ، بيد أنه لم يترك الفلسفة تعوقه عن الحروب ، ولم يدع الشعر يرقق من طباعه ، كان وسيم الطلعة ، قوي البنية ، بسيطا في ملبسه ، قادرا عن مغالبة الصعاب ، بارعا في الفنون العسكرية ، مقداما لا يهاب الموت في القتال ، قاسي القلب لا يرحم إذا انتصر ، كان لبقا فكها في الحديث ، نافذ البصيرة في قضائه ، قديرا صارما في أحكامه ..
قلت في نفسي : هل بلغ حب (قيس) في قلب (ليلى)
ما بلغه حب (سيفيروس) في قلب (جوليا دومنا) ؟؟
للحقيقة فإن هذه الصفات قد أكدها بوضوح (ول ديورانت) في موسوعته (قصة الحضارة ) ،
بعد هذا الوصف الرائع لزوجها ... عادت (جوليا دومنا) لتكمل لنا ذكرياتها :
ابتسم الحظ لنا ، حينما انتقل (سبتيم) ليكون قائدا عاما للقوات الرومانية في (بانونيا) ، وفي ذلك
الوقت قام الحرس الإمبراطوري (البريتوري) بقتل الإمبراطور (برتناكس) ، وأعلن الحرس أن التاج سيكون من نصيب الذي سوف يمنحهم أكبر عطاء ، و تقدم بعض القادة بعروضهم من العطاء للجنود ، إلا أن زوجي كان سخيا للغاية في عطائه إذ عرض عليهم أن يقدم لكل جندي مبلغ قدره (12000) دراخمة حين يجلس على العرش ، وخرق العرف الروماني ودخل في إبريل/نيسان 193م بقواته العسكرية روما ، رغم إنه لبس ثيابه المدنية ، حينذاك أعلن مجلس الشيوخ تسميته إمبراطورا ، واضطر عندئذ لخوض المعارك ضد منافسيه (بسكينوس ينجر) قائد القوات الرومانية في سوريا و(البينوس) حاكم بريطانيا وانتصر عليهما .. من الناحية المدنية قام زوجي بتعييني مساعدة له ، ورئيسة لديوانه وأعطاني لقب (أوغتسا) ، وشاركته في كل الأمور السياسية والحربية والاجتماعية وغيرها ، فكنت نعم العون له ، بعد توليه مقاليد الحكم قمنا معا ببذل الجهود الكبيرة في سبيل الإصلاح وتحسين أوضاع الجيش والقضاة وإزالة مساوئ الفتن الأهلية ، ووجهنا العناية إلى الولايات فأقمنا فيها كثيراً من المنشآت والأبنية العامة والحمامات وسواها .. وجعلنا الخدمة العسكرية إجبارية على كل الولايات عدا أهل ايطاليا ، ثم قمنا بحلِّ الجيش البريتوري وأحدثنا حرسا جديدا أعضاءه من سائر الولايات بعد أن كان هذا الحرس إيطاليّاً فقط ..
- معذرة أوغستا جوليا دومنا ... هل لك أن تحديثني عن أعمال الإمبراطور سيفيروس العسكرية ؟
- لاحظت أن وجهها قد تغير وبانت عليه تعابير متباينة حاولت جاهدة أن تداريها ، فيها من الألم الشيء الكثير و فيها من الاعتزاز بزوجها ، فقد تذكرت وفاته الذي أفقدها الحصن الذي كانت تلوذ به وتعتمد عليه عند الشدائد ، لكنها بعد برهة صمت رفعت رأسها في شموخ واعتداد قائلة :
- (سيفيروس) ذلك الجائع الذي كان لا يشبع من أكاليل الغار ، ثماني عشرة سنة وهو في حروب مستمرة وسريعة ، حاولت خلالها أن أهدئ منه لكنه كان كحصان جموح لا يهدأ حتى يبدأ ، ولا يبدأ حتى يستمر ، ولا يستمر حتى يزداد به الطموح .... زاد عدد الجيش ، ورفع رواتب الجند ، وقاتل منافسيه ، وقضى على الفتن ، وقاتل لاسترداد مناطق قديمة ، وضم مناطق جديدة للإمبراطورية ، وقضى على الفتن ، دك بيزنطية بعد حصار دام أربعة سنوات ، و غزا (بارثيا) و استولى على (طشقونة) وضم (بلاد النهرين) لهذه الإمبراطورية ، لقد أعاد لعرش روما مكانته ، وخلص الإمبراطورية من تركة فساد متراكم من استبداد (كاليغولا) وبلاهة (كلوديوس) وجنون (نيرون) وطغيان (أنطونيوس) ، تصور ... رغم شيخوخته وكبر سنة وإصابته بداء النقرس إلا إن ذلك لم يقيده من تسجيل انتصارات وتسجيل أسمه في صفحات التاريخ ، وهو بهذه الحالة قد وصل إلى (كلدونيا) وانتصر على الاسكتلنديين في عدة وقائع ، ثم عاد إلى (بريطانيا) ..
صمتت قليلا ثم واصلت حديثها بنفس التدفق والانسيابية :
وهناك عندما وصل إلى (يورك) سنة 211 م كان على موعد مع الموت ...
قال وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة : " لقد نلت كل شيء ، ولكن ما نلته لا قيمة له " ،
وكانت آخر وصاياه (الحفاظ على الأسرة الامبراطورية والعمل على استرضاء الجيش ) .
ثم تنهدت تنهيدة خفيفة حاولت جاهدة مغالبة نفسها ألا تبرح أو تصرح بها ، لكنه ألم الفراق الذي لا يطاق وذكرى حبيب لم و لن يُنسى ... أكملت حديثها قائلة :
عدت مع ولديَّ الإمبراطور (كاراكلا) والإمبراطور (جيتا) من بريطانيا إلى روما ... وأقمنا احتفال مهيب لدفن الإمبراطور وسط مظاهر التكريم والاحترام اللائقين به كإمبراطور عظيم ، وأعترف مجلس الشيوخ الروماني والشعب وجميع الولايات بولديَّ ، وتولى كلاهما الإمبراطورية بسلطة متكافئة ومستقلة بوصفهما ورثين في العرش الروماني ، لكن طبيعة كل منهما تختلف عن الآخر ولم يتفقا إلا على الخلاف فيما بينهما ، بذلت جهودا كبيرة ومضنية في التوفيق بينهما لكن الأمر كان مستحيلا ، ولا أعلم أي مستشار تفتقت في ذهنه فكرة لئيمة لم أكن أعلم بها ، هي تقسيم الإمبراطورية بينهما ، وبالفعل فقد صيغت معاهدة التقسيم بدقة بحيث يحتفظ (كاراكلا) بأوروبا ويتخذ من روما عاصمة له ، وأن تترك آسيا ومصر لأخيه (جيتا) الذي يمكن أن يتخذ من (انطاكية) أو (الإسكندرية) عاصمة له ، وهما لا تقلان عن روما ثروة وعظمة .. وعندما علمت بالأمر رفضت هذا المشروع رفضا قاطعا حرصا مني على وحدة الإمبراطورية وإيمان مني بأن عظمة الرومان بوحدتهم وقلت لولديَّ:" أُفضل أن يقطَّع جسدي إربا إربا على تقسيم الإمبراطورية "، وهكذا كان و فشل ذلك المشروع ...-
هكذا كانت جوليا دومنا
وفية مع زوجها في حياته وبعد مماته..
لقد كانت عظيمة في كل شيء..
و شوكراا
ربما لا يعرف أغلبكم وخصوصا من غير الليبيين قصة الامبراطور الليبي سبتيموس سيفيروس الذي اعتلى عرش روما في يوم من الايام..
والشيء الذي لا يعرفه حتى الليبيين أنفسهم هو قصة الحب الذي جمعته مع الفتاة السورية "جوليا دومنا" والتي قاسمته عرش الامبراطورية الرومانية..
بعد أن تزوجها..
جوليا دومنا
هل يعرف أحدكم هذا الاسم ؟
...
القليل القليل ممن له صلة بالتاريخ يعرف هذا الاسم
فتاة من سوريا أصبحت إمبراطورة روما
ولا تقل أهمية عن زنوبيا أو كليوباترا
وإن كان اسمها لا يتردَّدُ كثيراً إلا لأهل الاختصاص
ممن يبحث في تاريخنا القديم
ذلك التاريخ الثري بالكثير الكثير
وقصة (جوليا دومنا) في رأيي المتواضع يجب أن تُعَرض ولو بشكل مختصر
ليس لمجرد رفاهية العرض بل لضرورة معرفة تاريخنا الذي نسيه البعض وتناساه آخرون .
...
تم لقائي بها في ظروف صعبة كانت تواجهها وتحيط بها من كل جانب
و كانت الأسئلة تتلاحق – في ذلك الوقت – عن مدى صمودها في وجه هذا الطوفان
ورغم الجو الكئيب الذي يغلِّف سماء المكان
فإن ( جوليا دومنا ) كعادتها رابطة الجأش ، قوية الإرادة ، من يراها يحسب أن الدنيا تسير
سيرها المعتاد بدون أي منغِّصات أو أيِّ تأثيرات سلبية ..
هكذا هي دوما .. فهي على يقين بأنها صانعة تاريخ وليست مجرد دمية يتلاعب بها هؤلاء البشر
لذا .. فلم القلق ؟!
لكن ..
رغم هذه الحيلة النفسية التي تحاول إقناع نفسها للهروب من هذا الواقع المر ، فهي بشر
لها نصيبها الكامل من الأحاسيس والشعور والترقب
لها نصيبها الكامل من الخوف والقلق والحزن والغضب
ولها نصيبها الكامل من الفرح والسعادة والحب والسرور ...
الابتسامة المفتعلة التي رسمتها على وجهها حاولت بها إخفاء آلام نفسية لا تطاق ..
فأيُّ صبرٍ وأيُّ تُّجلدٍ هذا الذي تُبديه ، بل أيُّ قوةِ إرادةٍ هذه ؟؟
و احترت فعلا كيف أبدأ اللقاء !! ...
و من أين يبدأ الحديث وكيفيته ..
هل يأخذ طابع اللقاء الصحفي ؟
أو شكل الحوار التلقائي ؟
أم أترك لها مطلق الحرية في سرد روايتها وليس لي إلا الاستماع والإنصات
لم يدم ترددي طويلا و قررت أن ... :
قالت :
- مرحبا بك في إمبراطوريتنا ... تفضل بالجلوس .. أخبرني المجلس العلميُّ بالبِلاط عن هذه الزيارة ،
ونظراً لارتباطي بزيارة رسمية إلى خارج روما لم أجد أمامي إلا هذا الوقت لاستعرض شيئا من قصتي مع
هذه الإمبراطورية لعلمي بأنك ستذكرها في كتبك يوما ..
- أوغستا (جوليا دومنا ) ، أم القياصرة ، أم الجيوش ، أم الوطن ، أم مجلس الشيوخ ...
لا أجد الكلمات المناسبة لأتقدم إليكم بالشكر على هذا الاستقبال الرائع وعلى حسن الضيافة ،
لم يكن بودي الإطالة عليكم كثيرا لعلمي بمدى مشاغلكم ،
لذا استأذنكم في بدء هذه الحكاية من البداية ،
( لاحظت أن يدها مربوطة وكأن جرحا قد أصابها )
[ COLOR="blue "
]ليكن ذلك ، فما أجمل ذكري تلك الأيام التي لا تنسى تحمل عبق الماضي الذي لم أنسه ولن أتناساه
ما زالت ربوع (أميسا) (أسم حمص السورية القديم) رائعة حيث ولدت هناك سنة 170 م ، في عائلة عربية اشتهرت بخدمة إله حمص (الأجابالاس) ، كان أبي (يوليوس باسيانوس) كبيرا للكهنة في معبد تلك المدينة ، لذا نشأت في جو مفعم بالتدين في ظلال والدي الذي اعتني بي كثيرا ،
كما اعتني بأختي ( جوليا ميسيا) ، درستُ تراث الشرق القديم وتراث الإغريق سواءً بسواء ،
وأطلعتُ على ثقافة الرومان ، وبالتالي فالكثير يعتبرني نموذجا للمثقف الهيلنستي الذي جمع في
شخصيته ثقافة الشرق والغرب على السواء ...[/ color ]
أشرق وجهها وتوقفت عن الكلام فجأة وكأنها كانت تستعيد ذكرى ما ، ثم أكملت :
ما زلت أذكر تلك النبوءة التي أصبحت حقيقة ..
وللمرة الثانية تتوقف عن الكلام .. وكأنها تنبهت إلى شيء ما غاب عنها ...
نعم لقد تذكرت (سبتيموس سيفيروس) الذي تزوجها سنة (187م) ،
كانت يومها أصغر منه بعشرين عاما لكنه أقدم على الزواج بها بعد أن سُحِرَ بجمالها الآخاذ ، وشعر بميل عظيم إليها ولا سيما إنه بفراسته فيها توسّم المستقبل الباهر الذي يبلغه باقترانه بها ، تردد في بداية الأمر لصغر سنها، لكنه أقدم على إعلان رغبته وذلك إثر اجتماعه بعرافة سورية .. ماذا قالت له تلك العرافة ؟
لم يطل صمت أوغستا (جوليا دومنا ) وأكملت لي الراوية :
- كان ( سبتيم سيفير ) ... هكذا نطقته مختصرا قائدا للقوات الرومانية في ولاية سوريا ..
- التقى ذات يوم بعرافة .. قالت له عني : إن هذه فتاة ذات نجم عال ، وحظ حسن ، ومستقبل مشرق وسيقترن بها يوما ما رجل يتسنَّم عرش روما ، تلك النبوءة أصبحت دافعا له ليصنع معي مسيرته في هذه الحياة فتقدم إلى طلبي من أبي ورأي أبي في القائد كفؤا لي وأحس بميلي نحوه فلم يمتنع في تلبية طلبه .- معذرة أوغستا أم الوطن ، هل لي بمعرفة تفاصيل أكثر عن (الإمبراطور سبتيموس سيفيروس) ؟
- لو لم تسأل عنه لأخبرتك بنفسي .. هو أسطورة يجب أن تروى ، ولد ( سبتيم سيفير ) في ليبتس
( هي لبدة في طرابلس الغرب – ليبيا) قريبة من قرطاجة ، وكانت مستعمرة فينيقية في أفريقيا ، ..
هل تعلم أنه الامبراطور الروماني الوحيد في التاريخ الذي قدم من تلك القارة ؟ .. لقد كانت اللاتينية بالنسبة له لغة أجنبية لكنه تعلَّمها منذ طفولته فهي لغة الإمبراطورية الرومانية وظل يتكلمها برطانة طيلة حياته ، كانت لغته (البونية) وهي لا تختلف كثيرا عن لغتي (الآرامية) .. كانت نشأته في أسرة فينيقية /كنعانية الأصل ، لكنه درس البلاغة والقانون والآداب والفلسفة في أثينا وفي روما ، ثم اشتغل بالمحاماة في روما ، وأصبح عام (173 م) عضوا في مجلس الشيوخ الروماني بدعم من الإمبراطور (ماركوس أوريليوس) وفي عام (179 م) عين قائدا للقوات الرومانية المرابطة في سوريا ، وكان بالرغم من لهجته السامية من أحسن الرومان تربية وأكثرهم علما في زمانه ، وكان مولعا بأن يجمع حوله الفلاسفة والشعراء ، بيد أنه لم يترك الفلسفة تعوقه عن الحروب ، ولم يدع الشعر يرقق من طباعه ، كان وسيم الطلعة ، قوي البنية ، بسيطا في ملبسه ، قادرا عن مغالبة الصعاب ، بارعا في الفنون العسكرية ، مقداما لا يهاب الموت في القتال ، قاسي القلب لا يرحم إذا انتصر ، كان لبقا فكها في الحديث ، نافذ البصيرة في قضائه ، قديرا صارما في أحكامه ..
قلت في نفسي : هل بلغ حب (قيس) في قلب (ليلى)
ما بلغه حب (سيفيروس) في قلب (جوليا دومنا) ؟؟
للحقيقة فإن هذه الصفات قد أكدها بوضوح (ول ديورانت) في موسوعته (قصة الحضارة ) ،
بعد هذا الوصف الرائع لزوجها ... عادت (جوليا دومنا) لتكمل لنا ذكرياتها :
ابتسم الحظ لنا ، حينما انتقل (سبتيم) ليكون قائدا عاما للقوات الرومانية في (بانونيا) ، وفي ذلك
الوقت قام الحرس الإمبراطوري (البريتوري) بقتل الإمبراطور (برتناكس) ، وأعلن الحرس أن التاج سيكون من نصيب الذي سوف يمنحهم أكبر عطاء ، و تقدم بعض القادة بعروضهم من العطاء للجنود ، إلا أن زوجي كان سخيا للغاية في عطائه إذ عرض عليهم أن يقدم لكل جندي مبلغ قدره (12000) دراخمة حين يجلس على العرش ، وخرق العرف الروماني ودخل في إبريل/نيسان 193م بقواته العسكرية روما ، رغم إنه لبس ثيابه المدنية ، حينذاك أعلن مجلس الشيوخ تسميته إمبراطورا ، واضطر عندئذ لخوض المعارك ضد منافسيه (بسكينوس ينجر) قائد القوات الرومانية في سوريا و(البينوس) حاكم بريطانيا وانتصر عليهما .. من الناحية المدنية قام زوجي بتعييني مساعدة له ، ورئيسة لديوانه وأعطاني لقب (أوغتسا) ، وشاركته في كل الأمور السياسية والحربية والاجتماعية وغيرها ، فكنت نعم العون له ، بعد توليه مقاليد الحكم قمنا معا ببذل الجهود الكبيرة في سبيل الإصلاح وتحسين أوضاع الجيش والقضاة وإزالة مساوئ الفتن الأهلية ، ووجهنا العناية إلى الولايات فأقمنا فيها كثيراً من المنشآت والأبنية العامة والحمامات وسواها .. وجعلنا الخدمة العسكرية إجبارية على كل الولايات عدا أهل ايطاليا ، ثم قمنا بحلِّ الجيش البريتوري وأحدثنا حرسا جديدا أعضاءه من سائر الولايات بعد أن كان هذا الحرس إيطاليّاً فقط ..
- معذرة أوغستا جوليا دومنا ... هل لك أن تحديثني عن أعمال الإمبراطور سيفيروس العسكرية ؟
- لاحظت أن وجهها قد تغير وبانت عليه تعابير متباينة حاولت جاهدة أن تداريها ، فيها من الألم الشيء الكثير و فيها من الاعتزاز بزوجها ، فقد تذكرت وفاته الذي أفقدها الحصن الذي كانت تلوذ به وتعتمد عليه عند الشدائد ، لكنها بعد برهة صمت رفعت رأسها في شموخ واعتداد قائلة :
- (سيفيروس) ذلك الجائع الذي كان لا يشبع من أكاليل الغار ، ثماني عشرة سنة وهو في حروب مستمرة وسريعة ، حاولت خلالها أن أهدئ منه لكنه كان كحصان جموح لا يهدأ حتى يبدأ ، ولا يبدأ حتى يستمر ، ولا يستمر حتى يزداد به الطموح .... زاد عدد الجيش ، ورفع رواتب الجند ، وقاتل منافسيه ، وقضى على الفتن ، وقاتل لاسترداد مناطق قديمة ، وضم مناطق جديدة للإمبراطورية ، وقضى على الفتن ، دك بيزنطية بعد حصار دام أربعة سنوات ، و غزا (بارثيا) و استولى على (طشقونة) وضم (بلاد النهرين) لهذه الإمبراطورية ، لقد أعاد لعرش روما مكانته ، وخلص الإمبراطورية من تركة فساد متراكم من استبداد (كاليغولا) وبلاهة (كلوديوس) وجنون (نيرون) وطغيان (أنطونيوس) ، تصور ... رغم شيخوخته وكبر سنة وإصابته بداء النقرس إلا إن ذلك لم يقيده من تسجيل انتصارات وتسجيل أسمه في صفحات التاريخ ، وهو بهذه الحالة قد وصل إلى (كلدونيا) وانتصر على الاسكتلنديين في عدة وقائع ، ثم عاد إلى (بريطانيا) ..
صمتت قليلا ثم واصلت حديثها بنفس التدفق والانسيابية :
وهناك عندما وصل إلى (يورك) سنة 211 م كان على موعد مع الموت ...
قال وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة : " لقد نلت كل شيء ، ولكن ما نلته لا قيمة له " ،
وكانت آخر وصاياه (الحفاظ على الأسرة الامبراطورية والعمل على استرضاء الجيش ) .
ثم تنهدت تنهيدة خفيفة حاولت جاهدة مغالبة نفسها ألا تبرح أو تصرح بها ، لكنه ألم الفراق الذي لا يطاق وذكرى حبيب لم و لن يُنسى ... أكملت حديثها قائلة :
عدت مع ولديَّ الإمبراطور (كاراكلا) والإمبراطور (جيتا) من بريطانيا إلى روما ... وأقمنا احتفال مهيب لدفن الإمبراطور وسط مظاهر التكريم والاحترام اللائقين به كإمبراطور عظيم ، وأعترف مجلس الشيوخ الروماني والشعب وجميع الولايات بولديَّ ، وتولى كلاهما الإمبراطورية بسلطة متكافئة ومستقلة بوصفهما ورثين في العرش الروماني ، لكن طبيعة كل منهما تختلف عن الآخر ولم يتفقا إلا على الخلاف فيما بينهما ، بذلت جهودا كبيرة ومضنية في التوفيق بينهما لكن الأمر كان مستحيلا ، ولا أعلم أي مستشار تفتقت في ذهنه فكرة لئيمة لم أكن أعلم بها ، هي تقسيم الإمبراطورية بينهما ، وبالفعل فقد صيغت معاهدة التقسيم بدقة بحيث يحتفظ (كاراكلا) بأوروبا ويتخذ من روما عاصمة له ، وأن تترك آسيا ومصر لأخيه (جيتا) الذي يمكن أن يتخذ من (انطاكية) أو (الإسكندرية) عاصمة له ، وهما لا تقلان عن روما ثروة وعظمة .. وعندما علمت بالأمر رفضت هذا المشروع رفضا قاطعا حرصا مني على وحدة الإمبراطورية وإيمان مني بأن عظمة الرومان بوحدتهم وقلت لولديَّ:" أُفضل أن يقطَّع جسدي إربا إربا على تقسيم الإمبراطورية "، وهكذا كان و فشل ذلك المشروع ...-
هكذا كانت جوليا دومنا
وفية مع زوجها في حياته وبعد مماته..
لقد كانت عظيمة في كل شيء..
و شوكراا