همس الخاطر
11-11-2006, 01:32 AM
أبطال القصة: سارقة القلوب (الراوية, مي), معك صرف 50 (حمد), الطفلة (رغد)
الكاتب: همس الخاطر
في ليلة من ليالي الشتاء القارسة البرودة, خرجت الممرضة من غرفة العمليات لتبشرالعم أبو حمد بقدوم مولوده البكر حمد (معك صرف 50). و في الغرفة المجاورة قدمت الممرضة لتزف خبر قدومي أنا مي (سارقة القلوب) إلى والدي. فجأة سُمع صوت اضطراب في الغرفة المجاورة فتجمع الأطباء فيها, فحالة أم حمد أخذت بالاضطراب. تزايدت نبضات قلبها بشكل مفاجئ و احتقن وجهها بشدة. حاول الأطباء السيطرة على الوضع و لكن سرعة نبضات القلب أدت إلى إجهاده. فجأة توقفت نبضات القلب بسكتة قلبية حاول الأطباء إخراج أم حمد منها و لكن مشيئة الله كانت فوق كل شيء فقضت أم حمد في تلك الغرفة. كان منزلينا الذين نقطن فيهما متجاورين. و قد كان أبو حمد يرسل طفله حمد إلينا باستمرار لرعايته أثناء غيابه عن المنزل و كانت أمي توفر لحمد كل ما تستطيع من الحنان لتعوض عنه حنان والدته المتوفاة. نشأنا مع بعضنا البعض فقد كنا نلعب و نلهو و نمرح و نقضي أوقاتاً جميلة عوضت حمد عن فقدان والدته. اختلطنا مع كثبر من الأطفال و كنا نلعب معهم و لكن الانطباع الذي كان يولده وجودي مع حمد شيء مختلف تماماً. فأنا لم أكن أحس بمتعة اللعب بعيداً عنه و كان ابتعادي عنه يولد لدي نيراناً من الألم لا تنطفأ إلا برؤيته مرة أخرى. استمرينا في اللعب مع بعضنا البعض إلى سن التاسعة عندما قرر والدي الذهاب إلى الخارج لإكمال دراسة الماجستير و الدوكتوراة. حاولت الرفض فأخذت بالنحيب و البكاء و لكن ماذا يفيد بكاء الأطفال فغادرنا إلى دولة أوروبية و انقطعت أخبارنا عن بعضنا. بعد رحيلنا قرر العم أبو حمد الانتقال إلى المدينة التي يوجد بها أقاربهم لرعاية إبنه وليعرفه على أبناء عمومته. اختلط حمد بأبناء عمومته و لكنه لم يقضي أوقاتاً جميلة معهم. فبالرغم من محبتهم الشديدة له إلا أن فراق مي عنه كان لا يعوض بأي شيء آخر و ألم الفراق كان يزداد يوماً بعد يوم. بينما كنت أنا في الجانب المقابل أعاني آلام الغربة و آلام الفراق عن حمد و أقاسي مرارة الوجدان. بعد بلوغنا سن الثامنة عشر عدت مع والدي إلى السعودية و عدنا إلى منزلنا ففرحت فرحاً شديداً لأنني سألتقي بحمد و لكن انتقالهم إلى المدينة الأخرى اشعل نيران الأسى في قلبي. وفي أحد الأيام بينما كنا خارجين بالسيارة تقدمت سيارة مسرعة لتقطع الإشارة و تصطدم بنا. سقطت فاقدة للوعي ولم أتنبه إلا و أنا في المشفى. رأيت والدي يبكيان بقربي فأخبرتهما بأني بخير و لكنهما استمرا بالبكاء. أخذت أسألهما ماذا جرى؟ تحامل والدي على نفسه فأخبرني بأنه بعد الحادث تفاجأ بوجود حمد بالقرب من المكان وهو الذي ساعده في إخراجي من السيارة و عندما كانوا في منتصف الشارع المقابل ينقلونني رأى حمد سائقاً متهوراً يتجه بسرعة اتجاهنا فدفعني و والدي بقوة ليتلقى الضربة لوحده و يسقط بعدها مثخناً بالجراح مع ابتسامة تعلو محياه. أخذت في البكاء ثم سألت والدي عنه فأخبرني بأنه خرج من غرفة العمليات و أن حالته حرجة و أمل نجاته ضعيف جداً. ذهبت إليه في العناية المركزة و جلست بقربه و رأيت حاله فانهمرت دموعي لتزيد من ألمي و تحرق قلبي. سقطت بعض الدموع على جبين حمد فإذا بمؤشراته الحيوية ترتفع. أخذت أتساءل ماذا حصل؟ أخبرني الأطباء بأنه أحس بوجودي بقربه و أنه يتشبث الآن بحياته أكثر لما علم أني بقربه. لازمته السرير إلى أن استيقظ و فتح عينيه بوهن. أخبرني أنه كان يأتي إلى المدينة ليزور المكان الذي كنا نلعب فيه فرأى الحادث فخفق قلبه فطار إلى السيارة لمساعدتنا فحصل ما حصل و ارتسمت الابتسامة على محياه لتمكنه من حمايتي. طأطأتُ رأسي و قبلت جبينه فارتسمت على محياه ابتسامة واهنة أرجعت إلي ذكريات قديمة. تماثل حمد للشفاء و خرج من المشفى بعد ما يقارب الشهر. تقدم والد حمد بخطبتي من والدي لابنه حمد و قد تكفل والده و والدي بمصاريف الزفاف. كان حفل الزفاف صغيراً لعدم تماثل حمد للشفاء الكامل و حضره ثلة من أقاربي و أقاربه. في تلك الليلة و عندما غادرنا إلى منزل الزوجية قابلني حمد بوجه بشوش و أغدق علي من الكلام المعسول ما جعلني أنزل عيني إلى الأرض و ما جعل خداي يتوردان خجلاً. أخذت أتفكر ها أنا الآن مع شطري الآخر و مع توأم روحي حمد. حاولت أن أنظر إليه و لكن ما كان سهلاً قبل الزفاف أصبح من أصعب الأمور بعد أن بلغ خجلي منه مبلغه. حاول حمد إخراجي من خجلي فتحدث عن ذكرياتنا السابفة فبدأت بالحديث معه. بعد أن تسامرنا و زالت الحواجز بيننا, أغدق علي من عبارات الحب الشيء الكثير شرع بعدها في تقبيلي. أخذنا الوقت إلى أن غلبنا النعاس فاستسلمنا إلى النوم. استيقظنا في اليوم التالي و كما هو مخطط سابقاً استقلينا طائرتنا المتوجهة إلى إسبانيا لقضاء شهر العسل هناك. و نحن في الطائرة أخذنا نتذكر البرنامج الذي شاهدناه في فترة طفولتنا عن إسبانيا و كيف أننا حاولنا في والدينا لأخذنا إلى هناك و لكن الذهاب إلى إسبانيا هذه المرة له طعم آخر فهو مع حبيب العمر و نحن بمفردنا لذلك استطعنا أخذ راحتنا. قضينا ما يقارب الخمسة عشر يوماً في إسبانيا زرنا خلالها الجامع الأحمر بغرناطة و العديد من الشواطئ الجميلة التي تتميز بها هذه الدولة. ذهبنا بعد ذلك إلى البندقية و قمنا بالتجوال بالقارب بين المنازل المبنية فوق الماء, ياللروعة أن يستطيع الانسان بناء مدينة كاملة فوق الماء. قضينا أوقاتاً ممتعة مع بعضنا البعض نتج عنها حملي بطفتلنا الأولى. عدنا إلى السعودية بعد قضاء أجمل شهر عشته في حياتي. استمريناعلى هذه الحال إلى أن أنجبنا طفلتنا رغد عندها لم تسعنا الدنيا من الفرح بقدومها فهي أول ثمرة لحبنا الطويل. عاشت رغد معنا و غمرناها بحبنا و حناننا حتى غدت الفتاة المدللة التي لا يرق لها جفن و لا تدمع لها عين. بعد بلوغ رغد سن الثانية, حزمنا أمتعتنا للمغادرة إلى إندونيسيا لقضاء العطلة الصيفية. كانت الأجواء في أندونيسيا حارة و لكن طبيعتها الخلابة الخضراء و المياه الرقراقة المنسابة بين السهول ترسم لوحة رائعة للناظرين. و منظر التقاء زرقة مياه المحيط بزرقة السماء يفتح آفاقاً من التفكير في عظمة الخالق. استقلينا القارب للإبحار و قضينا وقتاً ممتعاً إلى أن تطور الجو بشكل عجيب. بدأت بوادر عاصفة شديدة تلوح في الأفق. أخذت الأمواج تتلاطم و أخذ صرير الرياح يصم الأذان. وسط هذه الأمواج العالية, اختل توازن القارب وسقطت رغد في الماء. قفز حمد خلفها لإمساكها و ابتلعته الأمواج فلم أجد له أثراً. بدأت في النحيب و البكاء ففقدان زوجي و طفلتي يعني فقدان روحي و حياتي. هدأت العاصفة و استقر القارب على الشاطئ و لكنني لم أعي ذلك. تجمع ثلة من الناس حولي و تقدمت مني امرأة مسنة قادتني إلى منزلها. استسلمت للنوم في ذلك المنزل. عندما استيقظت من النوم سألتني العجوز عن إسمي فلم أستطع الإجابة. من أنا؟ و من أين أتيت؟ لم أجد جواباً لهذا. لقد سبب لي فقدان زوجي و ابنتي صدمة أفقدتني ذاكرتي. و يا للأقدار فقد شاء سبحانه أن تستقبلني هذه العجوز المسلمة التي تعرف القليل من اللغة العربية في بيتها. لما رأت العجوز علائم الحيرة تغطي وجهي, أدركت بأنني لاأفقه شيئاً. قامت العجوز بإطعامي و مكثت لديها في المنزل. في اليوم التالي, أتى نساء من القرية لزيارتي و أخبروني بأنهم يريدونني أن أعلم أطفالهم اللغة العربية. ذاع صيتي في القرى المجاورة. و في أحد الأيام ارتفع صوت طرق الباب فذهبت لفتحه فإذا برجل يهجم علي و يضمني إليه و أخذ يلثمني بالقبل. أحسست بصداع شديد أُغشي علي منه. استيقظت و رأيت أمامي الرجل نفسه الذي تهجم علي و لم يكن سوى حمد زوجي فلقد عادت إلي ذاكرتي بعد رؤيته. أخبرني بأنه لم يستطع إنقاذ رغد و أنه أُنقذ بواسطة قارب صيد من وسط العاصفة. ثم أخذ يبحث عني إلى أن شارف على فقدان الأمل في نجاتي, عندها سمع بامرأة تعلم اللغة العربية فأتى إليها. سَعِدتُ بقدومه كثيراً و قلت له بأن الله سبحانه سيخلف علينا خيرا ًمن رغد إن شاء الله. شكر حمد العجوز على رعايتي و أعادني معه إلى وطننا الحبيب السعودية. عشنا بعدها مع بعضنا البعض بسعادة و وئام و أنجبنا خلالها العديد من الفتيان و الفتيات و لكن ذكرى رغد ستبقى في ذاكرتنا أبد الدهر
الكاتب: همس الخاطر
في ليلة من ليالي الشتاء القارسة البرودة, خرجت الممرضة من غرفة العمليات لتبشرالعم أبو حمد بقدوم مولوده البكر حمد (معك صرف 50). و في الغرفة المجاورة قدمت الممرضة لتزف خبر قدومي أنا مي (سارقة القلوب) إلى والدي. فجأة سُمع صوت اضطراب في الغرفة المجاورة فتجمع الأطباء فيها, فحالة أم حمد أخذت بالاضطراب. تزايدت نبضات قلبها بشكل مفاجئ و احتقن وجهها بشدة. حاول الأطباء السيطرة على الوضع و لكن سرعة نبضات القلب أدت إلى إجهاده. فجأة توقفت نبضات القلب بسكتة قلبية حاول الأطباء إخراج أم حمد منها و لكن مشيئة الله كانت فوق كل شيء فقضت أم حمد في تلك الغرفة. كان منزلينا الذين نقطن فيهما متجاورين. و قد كان أبو حمد يرسل طفله حمد إلينا باستمرار لرعايته أثناء غيابه عن المنزل و كانت أمي توفر لحمد كل ما تستطيع من الحنان لتعوض عنه حنان والدته المتوفاة. نشأنا مع بعضنا البعض فقد كنا نلعب و نلهو و نمرح و نقضي أوقاتاً جميلة عوضت حمد عن فقدان والدته. اختلطنا مع كثبر من الأطفال و كنا نلعب معهم و لكن الانطباع الذي كان يولده وجودي مع حمد شيء مختلف تماماً. فأنا لم أكن أحس بمتعة اللعب بعيداً عنه و كان ابتعادي عنه يولد لدي نيراناً من الألم لا تنطفأ إلا برؤيته مرة أخرى. استمرينا في اللعب مع بعضنا البعض إلى سن التاسعة عندما قرر والدي الذهاب إلى الخارج لإكمال دراسة الماجستير و الدوكتوراة. حاولت الرفض فأخذت بالنحيب و البكاء و لكن ماذا يفيد بكاء الأطفال فغادرنا إلى دولة أوروبية و انقطعت أخبارنا عن بعضنا. بعد رحيلنا قرر العم أبو حمد الانتقال إلى المدينة التي يوجد بها أقاربهم لرعاية إبنه وليعرفه على أبناء عمومته. اختلط حمد بأبناء عمومته و لكنه لم يقضي أوقاتاً جميلة معهم. فبالرغم من محبتهم الشديدة له إلا أن فراق مي عنه كان لا يعوض بأي شيء آخر و ألم الفراق كان يزداد يوماً بعد يوم. بينما كنت أنا في الجانب المقابل أعاني آلام الغربة و آلام الفراق عن حمد و أقاسي مرارة الوجدان. بعد بلوغنا سن الثامنة عشر عدت مع والدي إلى السعودية و عدنا إلى منزلنا ففرحت فرحاً شديداً لأنني سألتقي بحمد و لكن انتقالهم إلى المدينة الأخرى اشعل نيران الأسى في قلبي. وفي أحد الأيام بينما كنا خارجين بالسيارة تقدمت سيارة مسرعة لتقطع الإشارة و تصطدم بنا. سقطت فاقدة للوعي ولم أتنبه إلا و أنا في المشفى. رأيت والدي يبكيان بقربي فأخبرتهما بأني بخير و لكنهما استمرا بالبكاء. أخذت أسألهما ماذا جرى؟ تحامل والدي على نفسه فأخبرني بأنه بعد الحادث تفاجأ بوجود حمد بالقرب من المكان وهو الذي ساعده في إخراجي من السيارة و عندما كانوا في منتصف الشارع المقابل ينقلونني رأى حمد سائقاً متهوراً يتجه بسرعة اتجاهنا فدفعني و والدي بقوة ليتلقى الضربة لوحده و يسقط بعدها مثخناً بالجراح مع ابتسامة تعلو محياه. أخذت في البكاء ثم سألت والدي عنه فأخبرني بأنه خرج من غرفة العمليات و أن حالته حرجة و أمل نجاته ضعيف جداً. ذهبت إليه في العناية المركزة و جلست بقربه و رأيت حاله فانهمرت دموعي لتزيد من ألمي و تحرق قلبي. سقطت بعض الدموع على جبين حمد فإذا بمؤشراته الحيوية ترتفع. أخذت أتساءل ماذا حصل؟ أخبرني الأطباء بأنه أحس بوجودي بقربه و أنه يتشبث الآن بحياته أكثر لما علم أني بقربه. لازمته السرير إلى أن استيقظ و فتح عينيه بوهن. أخبرني أنه كان يأتي إلى المدينة ليزور المكان الذي كنا نلعب فيه فرأى الحادث فخفق قلبه فطار إلى السيارة لمساعدتنا فحصل ما حصل و ارتسمت الابتسامة على محياه لتمكنه من حمايتي. طأطأتُ رأسي و قبلت جبينه فارتسمت على محياه ابتسامة واهنة أرجعت إلي ذكريات قديمة. تماثل حمد للشفاء و خرج من المشفى بعد ما يقارب الشهر. تقدم والد حمد بخطبتي من والدي لابنه حمد و قد تكفل والده و والدي بمصاريف الزفاف. كان حفل الزفاف صغيراً لعدم تماثل حمد للشفاء الكامل و حضره ثلة من أقاربي و أقاربه. في تلك الليلة و عندما غادرنا إلى منزل الزوجية قابلني حمد بوجه بشوش و أغدق علي من الكلام المعسول ما جعلني أنزل عيني إلى الأرض و ما جعل خداي يتوردان خجلاً. أخذت أتفكر ها أنا الآن مع شطري الآخر و مع توأم روحي حمد. حاولت أن أنظر إليه و لكن ما كان سهلاً قبل الزفاف أصبح من أصعب الأمور بعد أن بلغ خجلي منه مبلغه. حاول حمد إخراجي من خجلي فتحدث عن ذكرياتنا السابفة فبدأت بالحديث معه. بعد أن تسامرنا و زالت الحواجز بيننا, أغدق علي من عبارات الحب الشيء الكثير شرع بعدها في تقبيلي. أخذنا الوقت إلى أن غلبنا النعاس فاستسلمنا إلى النوم. استيقظنا في اليوم التالي و كما هو مخطط سابقاً استقلينا طائرتنا المتوجهة إلى إسبانيا لقضاء شهر العسل هناك. و نحن في الطائرة أخذنا نتذكر البرنامج الذي شاهدناه في فترة طفولتنا عن إسبانيا و كيف أننا حاولنا في والدينا لأخذنا إلى هناك و لكن الذهاب إلى إسبانيا هذه المرة له طعم آخر فهو مع حبيب العمر و نحن بمفردنا لذلك استطعنا أخذ راحتنا. قضينا ما يقارب الخمسة عشر يوماً في إسبانيا زرنا خلالها الجامع الأحمر بغرناطة و العديد من الشواطئ الجميلة التي تتميز بها هذه الدولة. ذهبنا بعد ذلك إلى البندقية و قمنا بالتجوال بالقارب بين المنازل المبنية فوق الماء, ياللروعة أن يستطيع الانسان بناء مدينة كاملة فوق الماء. قضينا أوقاتاً ممتعة مع بعضنا البعض نتج عنها حملي بطفتلنا الأولى. عدنا إلى السعودية بعد قضاء أجمل شهر عشته في حياتي. استمريناعلى هذه الحال إلى أن أنجبنا طفلتنا رغد عندها لم تسعنا الدنيا من الفرح بقدومها فهي أول ثمرة لحبنا الطويل. عاشت رغد معنا و غمرناها بحبنا و حناننا حتى غدت الفتاة المدللة التي لا يرق لها جفن و لا تدمع لها عين. بعد بلوغ رغد سن الثانية, حزمنا أمتعتنا للمغادرة إلى إندونيسيا لقضاء العطلة الصيفية. كانت الأجواء في أندونيسيا حارة و لكن طبيعتها الخلابة الخضراء و المياه الرقراقة المنسابة بين السهول ترسم لوحة رائعة للناظرين. و منظر التقاء زرقة مياه المحيط بزرقة السماء يفتح آفاقاً من التفكير في عظمة الخالق. استقلينا القارب للإبحار و قضينا وقتاً ممتعاً إلى أن تطور الجو بشكل عجيب. بدأت بوادر عاصفة شديدة تلوح في الأفق. أخذت الأمواج تتلاطم و أخذ صرير الرياح يصم الأذان. وسط هذه الأمواج العالية, اختل توازن القارب وسقطت رغد في الماء. قفز حمد خلفها لإمساكها و ابتلعته الأمواج فلم أجد له أثراً. بدأت في النحيب و البكاء ففقدان زوجي و طفلتي يعني فقدان روحي و حياتي. هدأت العاصفة و استقر القارب على الشاطئ و لكنني لم أعي ذلك. تجمع ثلة من الناس حولي و تقدمت مني امرأة مسنة قادتني إلى منزلها. استسلمت للنوم في ذلك المنزل. عندما استيقظت من النوم سألتني العجوز عن إسمي فلم أستطع الإجابة. من أنا؟ و من أين أتيت؟ لم أجد جواباً لهذا. لقد سبب لي فقدان زوجي و ابنتي صدمة أفقدتني ذاكرتي. و يا للأقدار فقد شاء سبحانه أن تستقبلني هذه العجوز المسلمة التي تعرف القليل من اللغة العربية في بيتها. لما رأت العجوز علائم الحيرة تغطي وجهي, أدركت بأنني لاأفقه شيئاً. قامت العجوز بإطعامي و مكثت لديها في المنزل. في اليوم التالي, أتى نساء من القرية لزيارتي و أخبروني بأنهم يريدونني أن أعلم أطفالهم اللغة العربية. ذاع صيتي في القرى المجاورة. و في أحد الأيام ارتفع صوت طرق الباب فذهبت لفتحه فإذا برجل يهجم علي و يضمني إليه و أخذ يلثمني بالقبل. أحسست بصداع شديد أُغشي علي منه. استيقظت و رأيت أمامي الرجل نفسه الذي تهجم علي و لم يكن سوى حمد زوجي فلقد عادت إلي ذاكرتي بعد رؤيته. أخبرني بأنه لم يستطع إنقاذ رغد و أنه أُنقذ بواسطة قارب صيد من وسط العاصفة. ثم أخذ يبحث عني إلى أن شارف على فقدان الأمل في نجاتي, عندها سمع بامرأة تعلم اللغة العربية فأتى إليها. سَعِدتُ بقدومه كثيراً و قلت له بأن الله سبحانه سيخلف علينا خيرا ًمن رغد إن شاء الله. شكر حمد العجوز على رعايتي و أعادني معه إلى وطننا الحبيب السعودية. عشنا بعدها مع بعضنا البعض بسعادة و وئام و أنجبنا خلالها العديد من الفتيان و الفتيات و لكن ذكرى رغد ستبقى في ذاكرتنا أبد الدهر